21 Jan
شرح الرسالة القيروانية 17

قال ابن أبي زيد: "‌ووقفوا عند ما حدّ لهم، واستغنوا بما أحلّ لهم عمّا حرم عليهم[1]" قال تعالى ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (112)﴾ [التوبة: 112] وقال ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (14))[النساء: 14] 

الغرض من العلم الذي سبق ذكره العلم النافع، والعلم النافع يحتاج إلى نية صادقة ليورث الخشية والعمل، وإلا كان وبالا على صاحبه، فلا معنى للعلم إذا لم يورث الوقوف عند حدود الله

قال تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28)﴾ [فاطر: 28] فالخشية تمنع من مجاوزة الحد؛ لهذا جاء في بعض الآثار: إنما العلم الخشية أو ما في معناه[2] 

فما لم يورث خشية فليس بعلم في نفسه، كعلم الكلام المذموم، أو علم محمود لكن صادف محلا خبيثا، قلبا قاسيا مريضا 

قال ابن أبي زيد في خاتمة "الرسالة": وأولى العلوم وأفضلها وأقربها إلى الله علمُ دينه وشرائعه مما أمر به ونهى عنه ودعا إليه وحضّ عليه في كتابه وعلى لسان نبيه، والفقهُ في ذلك والفهم فيه والتهمّم برعايته والعمل به، والعلمُ أفضل الأعمال، وأقرب العلماء إلى الله تعالى وأولاهم به أكثرهُم له خشية وفي ما عنده رغبة، والعلم دليل إلى الخيرات وقائد إليها.اهـ[3] 

ويعظم الوبال إذا كان عالما يعلم الناس حدود الله ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر قال تعالى ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44)﴾ [البقرة: 44] وقال ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3)﴾ [الصف: 2 – 3] 

وفي الحديث:  مسلم 51 - (2989) حدثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير وإسحاق بن إبراهيم [ابن راهويه] وأبو كريب [محمد بن العلاء بن كريب]واللفظ لأبي كريب، قال يحيى وإسحاق: أخبرنا، وقال الآخرون: حدثنا – أبو معاوية [محمد بن خازم] حدثنا الأعمش [سليمان بن مهران] عن [أبي وائل] شقيق [بن سلمة] عن أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم: يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع إليه أهل النار، فيقولون: يا فلان ما لك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى، قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه 

[51 - (2989) حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير [بن عبد الحميد] عن الأعمش عن أبي وائل قال: كنا عند أسامة بن زيد، فقال رجل: ما يمنعك أن تدخل على عثمان فتكلمه في ما يصنع. وساق الحديث بمثله]

ولا يتمكن من الالتزام بحدود الله إلا بترك الشبهات 

قال زروق أحمد بن محمد بن عيسى البرنسي (ت: 899): وفي استغنائهم بالحلال عن الحرام تجنب الشبهات؛ لدخول جزء من المحرم فيها.اهـ[4] دليله: حديث النعمان بن بشير في الصحيحين: البخاري (52) حدثنا أبو نعيم (الفضل بن دكين) حدثنا زكرياء (بن أبي زائدة) عن عامر (بن شراحيل الشعبي) [2051 حدثني محمد بن المثنى حدثنا (محمد) ابن أبي عدي عن (عبد الله) ابن عون عن الشعبيقال: سمعت النعمان بن بشير يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الحلال بين والحرام بين، وبينهما مشبهات، لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات كراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا إن حمى الله في أرضه محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب.[م/ (1599) من طريق زكريا، ومن طريق مطرف بن طريف وأبي فروة عروة بن الحارث وعبد الرحمن بن سعيد الهمداني وعون بن عبد الله: عن الشعبي] 

ومنه: الاحتياط في المسائل التي لا يظهر فيها أحد القولين ظهورا بينا، وهي ما يعرف بماراعاة الخلاف 

قال عبد العزيز بن عبد السلام(ت: 660)والضابط في هذاأن مأخذ المخالف إن كان في غاية الضعف والبعد عن الصواب: فلا نظر إليه، ولا التفات عليه إذا كان ما اعتمد عليه لا يصلح نصبه دليلا شرعيا، ولا سيما إذا كان مأخذه مما يُنقض الحكم بمثله.

وإن تقاربت الأدلة في "مسائل الخلاف"، بحيث لا يبعد قول المخالف كل البعد: فهذا مما يستحب الخروج من الخلاف فيه حذرا من كون الصواب مع الخصم[5]، والشرع يحتاط لفعل الواجبات والمندوبات كما يحتاط لترك المحرمات والمكروهات.اهـ[6] 

ومراعاة الخلاف من أصول المالكية، لكن لا بد أن تكون مراعاة الخلاف اختيارية، لا إلزام فيها على الناس

وأيضا: فعل المندوبات وترك المكروهات، وترك التوسع في المباحات، فالذي يقتصر على فعل الواجب وترك المحرم ويتوسع في المباح يسقط في ترك الواجب وفعل المحرم لا محالة، فتعريف المندوب والمكروه وأنه لا إثم فيهما بالنظر إلى جزئياته لا بالنظر إلى الكل أو الجملة أو القصد منهما 

قال: الشاطبي أبو إسحاق إبراهيم بن موسى (ت: 790): المندوب: إذا اعتبرته اعتبارا أعم من الاعتبار المتقدم وجدته خادما للواجب لأنه إما مقدمة له، أو تكميل له، أو تذكار به، كان من جنس الواجب أو لا... المكروه: إذا اعتبرته كذلك مع الممنوع؛ كان كالمندوب مع الواجب، وبعض الواجبات منه ما يكون مقصودا، وهو أعظمها، ومنه ما يكون وسيلة وخادما للمقصود...اهـ[7]


[1] الرسالة ص: 72   

[2] تخريجها في "حجية إجماع المحدثين"   

[3] الرسالة ص: 289   

[4] شرح زروق 1 / 10   

[5] لا ينبغي استعمال هذه الكلمة في "المخالف"    

[6] القواعد الكبرى 1 / 370    

[7] الموافقات 1 / 239، 240   

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
تم عمل هذا الموقع بواسطة