قال القاضي عبد الوهاب(ت: 422): وقوله رحمه الله "وأبرزه إلى رفقه" يرجع إلى ما ذكرناه من توفيقه لمعرفته، وهدايته للإيمان به، وغير ذلك من تفضله عليه وإحسانه إليه، وكذلك ما يسّر له من رزقه مما علم[1] أنه يصيبه مدّة حياته، ويقيم جسده إلى حين قبضه، فما أدركه من ذلك فهو رزقه الميسر له، وما فاته علم أنه لم يكن له رزقا له؛ لأنه لو كان قد رزقه لم يفته؛ لأنه تعالى إذا يسر للعبد شيئا لم يكن بد من وصوله إليه إذ لا راد لقضائه، ولا معقب لحكم، ولا مصعّب لتيسيره، ولا مسهل لتعسيره، جلّ ثناؤه، وتقدّس أسماؤه.اهـ[2]
لا يلزم من التيسير التوفيق، فالله يسّر لعبده ما ينفعه في دينه ودنياه، لمن أراد أن يسلكه، كما قال تعالى [ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر] [القمر: 17]
وقال محمد بن سلامة (ت: 746): أي أخرجه وأظهره من الضيق وظلمة الأحشاء إلى الموضع الواسع، ويسمى الموضع الواسع البراز، وخلق الله تعالى في قلوب عباده الرفق به والشفقة عليه، ويسّر له رزقا ليّنا في ثديي أمه متوسطا بين الملوحة والعذوبة، باردا في الصيف حارا في الشتاء، يخرج من عرقين يتغدى من أحدهما ويشرب من الآخر، وتكفل برزقه مدة حياته، ودفع عنه ما لا يستطيع دفعه عن نفسه؛ منّة منه تعالى عليه ولطفا به.اهـ[3]
وقال أبو الحسن علي بن محمد (ت: 739): والضمير المستتر في "أبرزه" عائد إلى الله تعالى والبارز على الإنسان و[الضمير "ـه"[4]] المجرور بالإضافة في "إلى رفقه" يحتمل عوده إلى الله تعالى وعلى الإنسان، فمن نظر إلى رفق الإنسان به جعله عائدا على الإنسان، ومن نظر إلى أن الله تعالى جعل له ذلك أعاده عليه، ومعنى أبرز أظهر، والرفق في جميع ما يرتفق به. "و" أبرزه إلى "ما" أي الذي "يسره" الله "له من رزقه" من حلال وحرام.اهـ[5]
قال ابن أبي زيد: وعلمه ما لم يكن يعلم، وكان فضل الله عليه عظيما.اهـ[6]
سبق في المقدمة أن ابن أبي زيد يستعمل لفظ الوحيين، ولفظه مقتبس من قوله تعالى لنبيه [وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113)] [النساء: 113] وقال [وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (44) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (45) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46)] [القصص: 44 – 46] وعلّم النبي صلى الله عليه وسلم أمته هذا العلم، واستجاب الله بدعوة نبيه إبراهيم عليه السلام [رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129)] [البقرة: 129] وامتن به عليهم [كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151)] [البقرة: 151] وحذره أن يترك هذا العلم ليرضي أهل الكتاب والمشركين فقال [وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120)] [البقرة: 120] وقال [وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145)] [البقرة: 145]
وينسحب هذا الكلام على أمته الذين ورتهم صلى الله عليه وسلم علمه، لكن بسبب تأخر المسلمين وضعفهم حتى غزاهم الكفار واحتلوا بلادهم بعد تفريق الأمة وتمزيقها إلى دويلات أساء الظن كثير من المسلمين بشريعة الإسلام، ورأوها سبب تخلفهم لا الشهوات والبدع التي عمّت، ولهم اتجاهان:
المعاداة الصريحة للإسلام ولتاريخ الأمة: وهم صنفان، تبعا للقوتين السائدتين، المذهب الشيوعي الاشتراكي، والغربي الرأسمالي
المعادات الخفية للإسلام ولتاريخ الأمة: وذلك بتحريف القرآن، بدعوى التأويل من أجل تنزيه القرآن عن التخلف، فهؤلاء يلبسون لباس الدفاع عن الإسلام
قال المعلمي عبد الرحمن بن يحيى (ت: 1386): فإن أضرّ الناس على الإسلام والمسلمين هم المحامون الاستسلاميون، يطعن الأعداء في عقيدة من عقائد الإسلام أو حكم من أحكامه ونحو ذلك فلا يكون عند أولئك المحامين من الإيمان واليقين والعلم الراسخ بالدين والاستحقاق لعون الله وتأييده ما يثبتهم على الحق ويهديهم إلى دفع الشبهة، فيلجؤون إلى الاستسلام بنظام، ونظام المتقدمين التحريف، ونظام المتوسطين زعم أن النصوص النقلية لا تفيد اليقين والمطلوب في أصول الدين اليقين، فعزلوا كتاب الله وسنة رسوله عن أصول الدين، ونظام بعض العصريين التشذيب ... على أن أولئك الذين سميتهم "محامين" كثيرا ما يكونون هم الخصوم، والباطل جشع، وقد قال الله تبارك وتعالى [وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (71)] [المؤمنون: 71] وقال عزّ وجلّ [وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى] [البقرة: 120] وقال سبحانه [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ] [آل عمران: 100 – 101] والرسول فينا بسنته، وقال [وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217)] [البقرة: 217].اهـ[7]
ولا يختص هذا بالعقائد والأحكام، بل تعداه إلى المسائل العلمية كـ "علم الفلك" الذي يتعارض مع ما في كتاب الله، وكثير من المسلمين يسخرون ممن يعارض علم الفلك تمسكا بكتاب الله فالمحروم من أعرض عن العلم المعصوم لأجل نظريات اجتماعية وسياسية وإنسانية جاهلية وفرضيات علمية تخدم الإلحاد وإنكار الرب
قال الشافعي محمد بن إدريس (ت: 204): فكل ما أنزل في كتابه جل ثناؤه رحمة وحجة علمه من علمه وجهله من جهله لا يعلم من جهله ولا يجهل من علمه، رضي الله تعالى عنه والناس في العلم طبقات موقعهم من العلم بقدر درجاتهم في العلم به، فحق على طلبة العلم بلوغ غاية جهدهم في الاستكثار من علمه والصبر على كل عارض دون طلبه وإخلاص النية لله في استدراك علمه نصا واستنباطا والرغبة إلى الله في العون عليه فإنه لا يدرك خير إلا بعونه، فإن من أدرك علم أحكام الله في كتابه نصا واستدلالا ووفقه الله للقول والعمل بما علمنه فاز بالفضيلة في دينه ودنياه وانتفت عنه الريب ونورت في قلبه الحكمة واستوجب في الدين موضع الإمامة.اهـ[8]
[1] أي علم الإنسان بعد انقضاء أجله
[3] النكت المفيدة في شرح الخطبة والعقيدة ص: 50 – 51 وتبعه ابن ناجي 1 / 7 والقلشاني ص: 55 – 56 وزروق 1 / 14 والتتائي 1 / 62
[5] كفاية الطالب الرباني 1 / 17 – 18